gocorporation
download
تفسير سورة النمل - 6
117

على أن سبيل الله سبحانه وتعالى واحد؛ لقوله: فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ [النمل: ٢٤]، وسبيل الشر، بل سبل الشر متعددة؛ لقوله تعالى: وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام: ١٥٣].
ولهذا قال العلماء: الإسلام مِلّة، والكفر مِلَل: يهودية، نصرانية، وثنية، مجوسية، إلى آخره، ملل؛ يعني سبلًا متعددة، وأما الحق فسبيله واحد.
فإذا قال قائل: كيف تقولون ذلك؟ وقد قال الله تعالى: يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ [المائدة: ١٦]، كيف الجمع؟
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، ولهذا أُضيفت إلى السلام سُبُلَ السَّلَامِما قال السبل: يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَإذا قُيِّدت فهي على حسب ما قُيِّدت به؛ يعني يصلح أن تقول: سبل الخير، ويكون المراد بذلك الفروع الموصلة إلى الخير، فالإسلام كما أنه كله سبيل واحدة، فهو كذلك أيضًا ذو شُعب، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً» ، فهو ذو شُعب، فهذا معنى قوله: سُبُلَ السَّلَامِ، ثم إنه مما يزيل الإشكال أنه أضيفت إلى السلام، فعُلم أن المراد بذلك فروع الخير.
وفيه دليل على أن من صُدّ عن السبيل -والعياذ بالله- فإنه لا يهتدي إذا زُيّن للإنسان سوء عمله فصد بذلك عن السبيل، فإنه يقل أن يهتدي؛ لقوله: فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ؛ أي: لا يسجدون لله، وهذا هو البلاء أن الإنسان يرى القبيح حسنًا، فهذا لا يكاد يقلع، لكن من كان يرى القبيح قبيحًا فإنه يمكنه أن يُقلع، ولذلك تجدون الآن مثل هؤلاء الذين يتعاملون بالحيل؛ الحيل الربوية وغير الربوية من المحرمات ما يكاد أن يقلعوا عنها؛ لأنهم يرون أنهم على حق؛ ولذلك لا يقلعون، لكن من فعل القبيح وهو يعتقده قبيحًا فإنه يوشك أن يُقلع عنه، ولهذا قال: فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ [النمل: ٢٤].
أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ [النمل: ٢٥] على تفسير المؤلف يجب أن يوصل قوله: أَلَّا يَسْجُدُوابقوله: لَا يَهْتَدُونَ؛ لأنها متعلّقة بالجهة مفعول؛ لأن التقدير: فهم لا يهتدون إلى أن يسجدوا.
وفيه دليل على أن الله سبحانه وتعالى هو المستحق للعبادة وحده؛ لقوله: الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ [النمل: ٢٥]؛ إذ لا أحد يستطيع ذلك إلا الله، ما أحد يستطيع أن يخرج المخبوء في السماوات وفي الأرض إلا الله سبحانه وتعالى، فإذا كان كذلك فيجب أن تكون العبادة له وحده؛ لأنه الرب وحده فيكون المعبود وحده كذلك.
وبالآية دليل: - الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ- دليل على سعة علم الله؛ لقوله: وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ.
واستدل به الشافعي على ثبوت القدر، ثبوت العلم لله بأفعال العبد دليل على تقديره لها، ولهذا قال الشافعي في القدرية: ناظروهم بالعلم، فإن أقروا به خصموا، وإن أنكروه كفروا.
وهذا صحيح؛ لأننا نقول: إذا كنتم تقرون بأن الله عالم بأفعال الخلق فهل وقعت هذه الأفعال على حسب علمه أو على خلاف علمه؟ على حسب علمه؛ لأنكم تقرون أنه يعلمه.
إذن فقد وقعت على حسب علمه، فإذا كانت وقعت على حسب علمه لزم أن تكون بتقديره، وإلا لكان يمكن أن تقع على خلاف علمه إذا كانت من تقدير العبد واستقلال العبد فإنه لا يلزم أن تقع على حسب علمه، وأما إذا أنكروا العلم فإنهم يكفرون؛ لأن إنكار علم الله سبحانه وتعالى كفر.
وعندنا أيضًا حتى إنكار تقدير الله سبحانه وتعالى كفر؛ لأن الآيات والأحاديث صريحة بأن الله تبارك وتعالى مقدّر لأفعال العبد فإنكارها تكذيب للقرآن والسنة، وهذا هو الكفر.
ولكنه رحمه الله -الشافعيَّ- أراد أن يلزمهم بأمر متفق عليه، وهو أن إنكار علم الله كفر.
فقوله: يَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ.
نستفيد بها -بناء على تقدير الشافعي رحمه الله- على إثبات تقدير الله سبحانه وتعالى لأفعال العبد.
وفي هذه الآية: تحذير العبد من المخالفة علنًا أو سرًّا، كيف ذلك؟ لأنك إذا علمت بهذا الأمر؛ بأن الله يعلم ما تخفي وما تعلن، ويش يلزم من ذلك؟ ألَّا تخالفه، لا تقل: أبغي أفعل هذا المحرم لأن الله ما يدري، أو أترك هذا الواجب لأن الله لا يدري، بل الله سبحانه وتعالى يعلم.
والإنسان لو علم أن المعظم عنده يعلم بأفعاله لترك ما لا يرضيه، لو علمت مثلًا أن أباك أو الرجل الذي تحترمه يعلم بما تفعل، هل تفعل ما يخالف رضاه؟ ما تفعل، لا سيما إذا كان محبوبًا لديك ومعظّمًا، فإذا كان كذلك فالرب سبحانه وتعالى من باب أولى، ولهذا ينبغي لك كلما دعتك نفسك إلى معصية، بل إلى مخالفة لترك أمر أو فعل نهي يجب عليك أن تتذكر هذا الأمر أن الله سبحانه وتعالى يعلم مخالفتك.
فيلزم من هذا أن ترتدع، ولهذا جاء في الحديث وإن كان فيه نظر: «أَفْضَلُ الْإِيمَانِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ مَعَكَ حَيْثُمَا كُنْتَ» ؛ لأنك إذا علمت هذا العلم أوجب لك الاستقامة والثبات على الأمر.
وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَافيها قراءتان: مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَو{مَا يُخْفُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ}.
أما على قراءة: أَلَّا يَسْجُدُواعلى حسب تفسير المؤلف فالمناسب: {مَا يُخْفُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ}.
وأما على القراءة الثانية قراءة الكسائي: {أَلَا يَسْجُدُوا} -وهي سبعية- تناسب مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ؛ لأن (اسجدوا) فعل أمر، وفعل الأمر للمخاطب، فيقتضي أن الحالة التي بعده تكون للمخاطب أيضًا، يعني ألا يا قومي اسجدوا، وهو هنا لا يخاطب سليمان؛ لأن سليمان يسجد لله، لكنه لقوة استحقارهم ما كانت عليه ملكة سبأ خاطبهم بقوله: {أَلَا يَسْجُدُوا}.
وفي هذا دليل على إثبات عرش الله؛ لقوله: رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [النمل: ٢٦].
والعرش: هو أعلى المخلوقات، وهو غير الكرسي، وليس هو الْمُلك كما قاله منكرو العلو الذين يقولون: إن المراد بالعرش الملك، فيقولون: استوى على العرش؛ أي: استولى على الْملك، هذا لا شك أنه ليس بصحيح، والعرش معروف عند العرب وفي اللغة العربية بأنه سرير الملك الخاص به.
وفيه: إثبات انفراد الله سبحانه وتعالى بالألوهية؛ لقوله: اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، فإذا قال قائل: هذا النفي أو الحصر حقيقي، ولا إضافي؟
طالب: إضافي بالنسبة..
الشيخ: إذا قلنا: حقيقي، فهذا يلزم أن يكون (إله) ليس بمعنى بمعبود، والمعروف أن (إله) بمعنى معبود، إذا كان بمعنى معبود لزم أن يكون الحصر إضافيًّا، إذ هناك معبود سوى الله وهي الأصنام.
مثل معنى لا إله إلا الله؛ أي: لا معبود بحق إلا الله، وحينئذٍ يكون الحصر إضافيًّا، وإن جعلناه حقيقيًّا فإننا يمكن أن نقول: إن لا إله إلا الله: أن المراد بالإله: الإله المستحق؛ يعني لا إله مستحق إلا الله، ولكن هذا التقدير يعود على الأول.
واعلم أن الله سبحانه وتعالى سمّى الأصنام آلهة، سماها آلهة في قوله تعالى: فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [هود: ١٠١]، فأثبت أنها آلهة، وفي آية أخرى نفى أن تكون آلهة فقال: مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ [يوسف: ٤٠]، والجمع بينهما ظاهر؛ أن إثبات كونها آلهة باعتبار هؤلاء العابدين لأنهم يعتقدونها آلهة، ونفي أن تكون آلهة وإن هي أسماء باعتبار حقيقة الأمر فإنها ليست بآلهة تستحق أن تعبد، ولهذا نفى أن تكون آلهة؛ لأنها ليس لها حق في أن تعبد.
طالب: وضّح يا شيخ معنى (لا إله إلا الله) في (...) الحصر الإضافي؟
الشيخ: الحصر الحقيقي والإضافي إذا قلنا: إنه لا إله إلا الله، لا معبود بحق إلا الله صار حصرًا إضافيًا؛ يعني باعتبار أن يكون بحق فلا إله إلا الله، أما بحق وباطل فيوجد آلهة سوى الله، وحينئذٍ يكون الحصر إضافيًّا؛ يعني بالإضافة للإله الحق، وإذا قلنا: حقيقي؛ فهو باعتبار الواقع أنه لا يوجد إله إلا الله، وأن هذه الآلهة مجرد أسماء يكون الحصر حقيقيًّا باعتبار الحقيقة والواقع.
الطالب: (...).
الشيخ: مؤداهم واحد، ولهذا أثبت الله الآلهة مرة، ونفاها مرة أخرى.
قال: رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [النمل: ٢٦].
فيه: إثبات الربوبية لقوله: رَبُّورب بمعنى خالق ولَّا بمعنى صاحب؟
طلبة: خالق؟
الشيخ: بمعنى خالق، وهو أيضًا مختص به؛ إذ إن العرش لله سبحانه وتعالى وحده.
قال سليمان للهدهد: سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ [النمل: ٢٧].
يستفاد من هذه الآية: أنه ينبغي التثبت بالخبر لا سيما عند قيام الشبهة، ولا لَّا؟ ما هي الشبهة القائمة هنا؟
الطلبة: المدافعة يا شيخ.
الشيخ: أن الهدهد قال ذلك مدافعة وإن كان بعيدًا؛ لأنه قال: جِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ [النمل: ٢٢]، لكن لما كان هذا مقام دفاع فإنه ينبغي أن يتثبت الإنسان أكثر، ولهذا قال: سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ [النمل: ٢٧]، ما هو قال: بِنَبَإٍ يَقِينٍ، وقلنا: إن هذا نظير ما وقع لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب مع أبي موسى الأشعري حيث استأذن عليه ثلاثًا وانصرف، فلما عاتبه بعد ذلك قال: هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هات من يشهد لك. فشهد له مَنْ؟ محمد بن مسلمة .
فمثل هذه الحال وإن كان خبرًا متيقنًا، لكن لا مانع من أن الإنسان يتثبت في ذلك.
وفي هذا دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يكون لبقًا في تعبيره حتى لغير الآدمي؛ لقوله: أَصَدَقْتَفصارحه هنا بلفظ: الصدق؛ لأن الصدق صفة محبوبة محمودة، وفي الكذب ما قال: أم كذبت، قال: أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، فتحاشى أن يصارحه بوصف الكذب.
مع ما في ذلك بالنسبة للقرآن الكريم من مراعاة الفواصل أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَفإن هذه فيها مراعاة للفواصل.
وقول المؤلف: (إن هذا أبلغ من أم كذبت) هذا له وجه؛ لأن قوله: أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ؛ أي: من المتصفين بالكذب دائمًا؛ يعني ممن وصفه الكذب، وليس من كذب مرة واحدة كمن كان الكذب وصفًا له، فيكون العدول هنا عن أن كذبت له ناحيتان:
الناحية الأولى: أنه ألطف من التصريح بالمخاطبة بالكذب أو لا؟ واحد يكلمني أقول: هل صدقت أم كذبت؟ هذه أشد وطأة عليه من أن أقول: صدقت أم كنت من الكاذبين.
ومن جهة أخرى هي أشد حيث إنها تدل على اتصاف المخاطب بالكذب لا أنه وقع منه مرة واحدة، فالمؤلف راعى وجهًا، وترك وجهًا آخر؛ الوجه الثاني، والصواب: أنه في كلا الوجهين، مراعًى فيه الوجهان جميعًا.
سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَفي هذا دليل جواز تعظيم الإنسان نفسه إذا كان أهلًا لذلك على أنه يحتمل أن يكون سليمان أراد أنه ينظر ذلك لمن يستعين به من جنوده، لا أنه يريد أن يباشر هو بنفسه ذلك.
سَنَنْظُرُهذه لا شك أنه للجماعة، فهل هي جماعة حقيقة أم من باب التعظيم؟
لأن المعظّم نفسه معناه أنه نزل نفسه منزلة الجماعة، نقول: هذا فيه احتمال، فإن كان سليمان عليه الصلاة والسلام أراد تعظيم نفسه فهو أهلٌ لذلك؛ لأنه ملك ورسول، وإلا فإنه يريد سَنَنْظُرُبجنودنا وأعواننا أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، وإن كان لا يريد أن يباشره بنفسه.
فالملك والوزير والأمير ومن أشبههم إذا قالوا: سنفعل كذا، فإما أن يكون بأنفسهم فيكون ذلك تعظيمًا لأنفسهم أو بواسطة الجنود والأعوان فيكون هذا مراعاة للجمع.
وقال: اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ [النمل: ٢٨].
في هذه الآية دليل على أن الحيوانات تعقل ما يوجّه إليها من الأمر والنهي والاختبار والفحص؛ لقوله: اذْهَبْفَأَلْقِهْ، ثم انْظُرْوتَوَلَّكل هذه أوامر للهدهد مما يدل على أن الحيوانات هذه تعقل، ولكن ليس معنى قولنا: أنها تعقل أن تكون عاقلة من كل أحد، صحيحٌ أنها تعقل عقلًا محدودًا بالنسبة لعامة الناس، ولهذا تزجر البهيمة؟
طالب: فتنزجر.
الشيخ: فتنزجر، وتدعوها فتُقبِل، ولكنه ليس هذا كمثل تسخيرها لسليمان عليه الصلاة والسلام، فإن تسخيرها لسليمان أنها تنزل منه منزلة الإنسان العاقل الفاهم من كل وجه.
قال: اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ.
وفيه أيضًا دليل على أنه ينبغي تحسس الأخبار عند الحاجة لذلك، وهذا ما يسمى بالمتابعة؛ لقوله: فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَفإنه إذا تولى، وجعل ينظر لا بد أن تبين له الأخبار؛ لأنه لو أنه ما تولّى عنهم لو ألقاه، وبقي يمكن ما يتكلمون بالأشياء التي يتكلمون بها إذا كان غير حاضر لديه، لكن إذا تولى عنهم حينئذٍ وجدوا لأنفسهم مكانًا في الكلام على ما يريدون، هذا من السياسة؛ لأنك عندما تعمل عملًا فإنك تتحسس الأخبار، فلا تباشر هذا؛ لأنه ما يأتي على المطلوب، ولا تعرض عنه إعراضًا كاملًا؛ لأن معنى ذلك أنك ما تابعت ولا اهتممت بالأمر، فالإنسان ينبغي له كلما عمل عملًا أن يكون متابعًا له وأن يتحسس.
مثلًا افرض أنك أمرت أهلك بأمر أنت راعٍ عليهم أمرتهم بأمر هل أنت تترك هذا الأمر ولا تلاحظه؟ تلاحظه، ولكن لا تلاحظه وأنت حاضر عن مباشرة؛ لأنه في هذه الحال سوف ينفذوه، لكن تلاحظه وأنت بعيد حتى يتبين لك هل نفذوه أم لم ينفذوه، وهذه من السياسة التي ينبغي سلوكها لأجل أن يعرف الإنسان مدى تقبّل الموجه إليه الأمر من عدمه، ولهذا قال: أَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ، وهذا هو الذي حصل.
طلبة: (...).

***

الشيخ: (...) في قصة ملكة سبأ لما جاءها الكتاب من سليمان عليه الصلاة والسلام قالت لقومها: يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي [النمل: ٣٢]، الملأ: بمعنى الأشراف، وذلك أن الملوك والرؤساء يكون جلساؤهم غالبًا أشراف الناس فوجهت إليهم الخطاب، وقالت: يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ.
وسبق ذكر الفائدة في قولها: يَا أَيُّهَا الْمَلَأُدون قولها: يا ملأ، إظهارًا لعلوّ شأنهم حيث نودوا بمناداة البعيد.
(يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِيبتحقيق الهمزتين) يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِيهذا تحقيق الهمز.
(وتسهيل الثانية) بأي شيء؟ بـ(قلبها واوًا) {الْمَلَأُ وفْتُونِي}، وهذا مبني على؟
طالب: القاعدة.
الشيخ: القاعدة اللغوية: أنه إذا ضم ما قبل الهمزة فإنه يجوز قلبها واوًا.
وقلنا: من فائدة هذه اللغة تصحيح أذان كثير من الناس الذين يقولون في أذانهم؟
طلبة: (الله وكبر).
الشيخ: (الله وكبر)، بل حتى الصلوات بعض الناس حتى في تكبيرة الإحرام يقول: (الله وكبر).
(قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِيأي: أشيروا عليّ فِي أَمْرِي) واحد الأمور، وليس واحد الأوامر؛ لأن المراد بالأمر هنا الشأن فِي أَمْرِي.
(مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًاقاضيته حَتَّى تَشْهَدُونِتحضرون)، وهذا من كمال ذكائها أنها أشارت الملأ حتى إذا نتج عن تصرفها شيء لا يُرضى يكون اللوم على من؟ على هؤلاء الملأ الذين أشاروا، ولا يجعلون اللوم عليها، ولهذا قالت: ما تقطع أمرًا حتى تشهدونها أو حتى يشهدوها.
وقولها: مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا؛ أي: قاضية له. أَمْرًاهذه نكرة في سياق أيش؟
طلبة: النفي.
الشيخ: النفي، فتكون للعموم، لكن المراد بذلك الأمر المتعلق بالدولة بلا شك، وأما الأمر الخاص فإن لكل إنسان التصرف فيه.
وكذلك قول الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران: ١٥٩]، هذا الأمر إنما هو في الأمور العامة التي للجميع، وليس الرسول عليه الصلاة والسلام ولا غيره مأمورًا أن يشاور الناس في كل أموره حتى لو أراد أن يتغدى أو يتعشى ذهب يقول للناس: أيش تقولون؟ لا، الأمور العامة التي يشترك فيها الناس هي التي يُؤمر فيها بالتشاور.
وقولها: قَاطِعَةً أَمْرًاهذا أبلغ مما فسره به المفسر بالقضاء؛ لأن القطع يدل على الإمرة والعزيمة والفعل، بخلاف القضاء فقد يراد به الحكم فقط بدون أن يُفعل.
وقولها: حَتَّى تَشْهَدُونِفيها إشكال لغوي، وهو ثبوت النون مع أن (حتى) ناصبة، فما هو الجواب؟
طالب: الظاهر أن (حتى) لها شروطها في النصب.
الشيخ: الشروط تامة.
الطالب: تامة الشروط؟
الشيخ: إي، تامة الشروط.
الطالب: (...) حتى الصبح.
طالب آخر: ما يخالف يجوز ثبوت (...).
الشيخ: لا (...).
طالب: ما بعدها ناصب يا شيخ.
الشيخ: لا، النون هذه للوقاية، ولذلك تجدونها مكسورة، أو لا؟
حَتَّى تَشْهَدُونِلو كانت نون الرفع لقال: (تشهدونها)، فالنون هذه للوقاية، وما كنت أظن أنها تشكل عليكم، وأنا قلت: فيها إشكال لغوي، وأنا (...)؛ لأني ما أرى أنها تُشكِل؛ لأنها مكسورة.
ومثل هذا قوله تعالى: فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ [الذاريات: ٥٩]، فَلَا يَسْتَعْجِلُونِإذا وقفت عليها فتسكن النون، فيظن السامع أن النون هنا ثبتت مع وجود النهي فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ، وهي مع النهي تحذف، ولكن النون هنا للوقاية؛ ولذلك إذا وصلت تقول: فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ [الذاريات: ٥٩، ٦٠].
طالب: (...).
الشيخ: أيش لون؟
الطالب: (...).
الشيخ: صرف آيات؛ يعني قصدك استنباط الفوائد.
الطالب: (...).

***

الشيخ: يقول الله عز وجل: (قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ[النمل: ٣٣] أي أصحاب شدة في الحرب) (أولو) بمعنى أصحاب، وهي -كما مر علينا في النحو- ملحقة بجمع المذكر السالم وهي الآن مرفوعة بالواو نيابة من الضمة؛ أي: أصحاب قوة وبأس، والبأس بمعنى: الشدة والصبر.
(بَأْسٍ شَدِيدٍ؛ أي: أصحاب شدة في الحرب)، فكأنهم يعرِّضون بالمشورة عليها بالقتال بأن تقاتل سليمان ويقولون: نحن مستعدون للقتال؛ لأننا أصحاب قوة وأصحاب بأس شديد.
القوة هنا هل مراد القوة الجسمية أو القوة المادية؟
طالب: كلاهما.
الشيخ: كلاهما؛ يعني فعندنا من قوة الجسم، وعندنا من قوة العدة ما نستطيع أن (...).
وهذا من التأدب معها مع أنها هي التي طلبت منهم المشورة مع ذلك ردوا الأمر إليها، وَالْأَمْرُ إِلَيْكِوهذا يدل على أنها كانت أهلًا؛ لأن يسند إليها الأمر وعلى أنهم كانوا يعظمونها تعظيمًا بالغًا.
(فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَنا نطعك)، هل المراد بالنظر هنا الانتظار أو المراد التفكير في الأمر؟
المراد التفكير في الأمر؛ يعني فكّري في أمركِ ماذا تأمرين فتكون (ما) هنا استفهامية معلّقة عن عمل الفعل؛ لأنه إذا كانت الجملة استفهامية، فإن الفعل وإن كان ينصب مفعولًا أو مفعولين يكون معلقًا عن العمل، وتكون الجملة في محل نصب.
أجابت: (قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَابالتخريب وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً-يعني بالأثر- وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَأي: مرسلو الكتاب).
كأنها لا تريد القتال، تقول: لو قاتلناهم فإن الغلبة عليهم بعيدة، ستكون الغلبة لهم، وحينئذٍ يدخلون قُرانا، والملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها؛ لأن عندهم من العلو والغلبة والاستكبار ما يوجب أن يخسفوا بأهل البلد التي يدخلونها.
وليس المراد هنا بالإفساد الإفساد المعنوي؛ يعني بإفساد الأخلاق مثلًا، المراد ما أشار إليه المؤلف: الإفساد (بالتخريب).
وجاء دور الجمهوريين، فإذا أشد وأعظم؛ لأنهم أقل حياءً من الملوك، لا لهم أصل تجد الإنسان ينتخب وهو من الشارع ليس من الملأ ولا من أشراف الناس، فيأتي وغالبهم ليس عنده دين ولا مروءة فيفسدون أكثر مما يفسد هؤلاء كما هو مشاهد في تخريب الروس وغيرهم في البلاد التي يدخلونها.
يقول: وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةًبأي شيء بالأسر يأسرونهم ويسترقونهم أو يستخدمونهم بدون أسر، ولا استرقاق، وهذا من أبلغ ما يكون من الذلّة.
وقولها: أَعِزَّةَ أَهْلِهَاسواء كانت هذه العزة تعود إلى الملك أو تعود إلى الجاه والشرف أو إلى العلم أحيانًا فإنهم يسلطون على الأعزة؛ لأن لهم الكلمة فيما سبق، فهم الذين دبّروا هذه الحروب، ثم هزموا فتكون رحى الحرب عليهم.
قال: وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَهل هذا من كلام الله سبحانه وتعالى تصديقًا لقولها أو هو من كلامها تقريرًا له؟
وتكون بالأول ذكرت قاعدة عامة، ثم أشارت إلى ما تتوقعه من سليمان فقالت: وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَأي: كذلك يفعل هؤلاء الذين أرسلوا بالكتاب.
طلبة: إيه العلاقة بأنه كلامها؟
الشيخ: المؤلف يرى أنه من كلامها، ويكون ذلك تقريرًا للقاعدة التي ذكرتها: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا؛ لأن هذا عام.
ثم قالت: وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَتقريرًا لهذه القاعدة وتطبيقًا لها على حال سليمان وجنوده، أما إذا قلنا بأنه من كلام الله عز وجل، فتكون الجملة مستأنفة؛ أي: أن الله يقرر ما قالته بأن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة.
وقولها: كَذَلِكَ يَفْعَلُونَكيف جاءت بصيغة الجمع مع أن الكتاب إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ؟
لأنها عرفت أن سليمان ملك، والملك لا بد له من أتباع وجنود وأعوان؛ فلهذا قالت: وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ.
وإعراب كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ، وما أكثر ما تأتي في القرآن وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ. وما أشبه يعني يأتي في القرآن كثيرًا كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ [الرعد: ١٧].
يقولون: إن الكاف هنا: بمعنى (مثل)، وأنها تقع في محل نصب مفعولًا مطلقًا مضافًا إلى اسم الإشارة؛ أي: ومثل ذلك الفعل يفعلون، في هذا تقدير الآية اللي عندنا مثل ذلك الفعل يفعلون.
كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ؛ أي: ومثل ذلك الضرب يضرب الله الأمثال، فصارت الكاف هنا اسم بمعنى (مثل) في محل نصب على أنها مفعول إيش؟ مطلق مضافًا إلى اسم الإشارة؛ أي: ومثل ذلك الفعل الذي ذكرت يفعلون، ومعلوم إذا قلنا: إنه مفعول مطلق، فإن المشار إليه يكون مصدرًا مناسبًا لسياق الآية.
كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ [الصافات: ٣٤]، نقول: أي: مثل ذلك الفعل نفعل بالمجرمين. كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَأي: مثل ذلك الضرب يضرب الله الأمثال، وعلى هذا فقيسوا، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ.
وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ [النمل: ٣٥]، هذه المرأة ذكية لما جاءها الكتاب قالت: أبغي أمتحن الرجل، أبغي أرسل إليه هدية، فإن كان رجلًا يريد الدنيا كفته الهدية، وترك الحروب والقتال، وإن كان رجلًا يريد أمرًا آخر فإنه سيرد الهدية، وهذا بلا شك من الاختبار الذكي.
قالت: إِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ، وطبعًا هي كما قلنا: قبل قليل هي ما رضيت ما أشار به الملأ؛ لأن الملأ أشاروا عليها بالحرب والقتال، وذلك بإبداء ما عندهم من القوة والبأس الشديد، ولكنها لم ترد، هذا فأرادت أن تمتحن سليمان.
وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْولم تقل إليه؛ لأنه -كما قلنا- ملك له جنود وأعوان وحواشي.
فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ(ناظرة) ليست من الانتظار، وإن كانت محتملة أن تكون من الانتظار؛ أي: فمنتظرة، ولكنها من النظر، يعني أنظر بعد إرسال هدية بما يرجع المرسلون، من هم المرسلون؟ رسولها بالهدية، وفي هذا إشارة إلى أن هذه الهدية كبيرة وعظيمة؛ لأنها لم ترسل بها واحدًا، وإنما أرسلت بها جماعة وأقل الجمع؟
طلبة: ثلاثة.
الشيخ: أقل الجمع ثلاثة.
فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَأي: بأي شيء يرجعون به.
وبِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَمتعلقة بـ(ناظرة)، ولَّا متعلقة بـ(يرجع)؟
طالب: بناظرة.
الشيخ: بناظرة، وما رأيكم أنتم موافقون له؟ (ما) هنا ما هي استفهامية. بِمَ يَرْجِعُ(ما) استفهامية ولَّا موصولة؟
طلبة: موصولة.
الشيخ: موصولة؟ لا، استفهامية؛ لأن الموصولة تبقى ألفه مع حرف الجر، والاستفهامية تحذف عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ [النبأ: ١].
طالب: (...).
الشيخ: عَمَّ يَتَسَاءَلُونَعشان ما فيها ألف، كذا؟ لكن لو تقول: هو مسؤول عما قال، تكون ألف ولا ما تكون؟
طالب: تكون.
الشيخ: تكون.
بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَبِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [المائدة: ١٠٥]، شوف بِمَا كُنْتُمْتبقى الألف بِمَ يَرْجِعُتحذف الألف.
فـ(ما) الاستفهامية إذا سبقها حرف جر تُحذف ألفها.
طالب: فيها لغتان؟
الشيخ: على ما يرجع، لا ما فيها لغتان، ولهذا نقول: بِمَ يَرْجِعُالجار والمجرور متعلّق بـيَرْجِعُ، ولا يصح أن يكون متعلقًا بـنَاظِرَةٌبناءً على القاعدة المشهورة عند النحويين: وهي أن اسم الاستفهام له الصدارة، بل الاستفهام كله سواء كان اسمًا أو حرفًا له الصدارة، وإذا كان له الصدارة لم يعمل ما قبله فيه؛ لأنه لو عمل ما قبله فيه ما كان له الصدارة، لكانت الصدارة لأي شيء؟
طلبة: (...).
الشيخ: للعامل الذي قبله، وعليه فنقول: بِمَ يَرْجِعُالجار والمجرور متعلّق بـيَرْجِعُ، وتكون الجملة إذن معلّقة عن العمل عن عمل. نَاظِرَةٌمعلقة لها عن العمل فهي في محل نصب.
(بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَمن قبول الهدية أو ردها إن كان ملكًا قبلها أو نبيًّا لم يقبلها).
كون المؤلف يحيل قبول الهدية وعدمها على أنه إن كان مَلِكًا قَبِل وإن كان نبيًّا لم يَقْبل، هذا لا دليل عليه، ولكن نقول: إنه إذا كان يريد القتال فإنه؟
طالب: لن يقبل.
الشيخ: لا، إذا كان يريد القتال فهو يقبل الهدية؛ يعني إذا كان هذا الرجل عنده طمع مادي فقط فإنه يقبل الهدية؛ لأن القتال ما يعلم هل تكون العاقبة له أم لا، والهدية غنيمة حاضرة فيقبلها ويدع المشكوك فيه، وإذا كان لا يريد الدنيا، وإنما يريد أمرًا آخر، وهو الدعوة للإسلام وكونهم مسلمين كما قال في الأول: أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ، فإنه حينئذٍ لن يقبل الهدية؛ لأن الذي يدعو إلى الله وإلى الإسلام لا يمكن أن يقبل هدية على حساب ما دعا إليه أبدًا، وأما مسألة النبوة وعدمها فالله أعلم بهذا، ما نجزم بما قال المؤلف، بل نقول: إنها تريد أن تختبره إذا كان يريد دنيا؛ فالهدية تمنعه من قتالها، وإذا كان لا يريد دنيا وإنما يريد أن يسلموا فالهدية ما تمنعه.
(فأرسلت خدمًا ذكورًا وإناثًا) الآن يبين المؤلف الهدية (خدمًا ذكورًا وإناثًا ألفًا بالسوية، وخمس مئة لبنة من الذهب، وتاجًا مكللًا بالجواهر، ومسكًا وعنبرًا، وغير ذلك مع رسولٍ بكتاب) التعيين هذا لا دليل عليه، ولهذا نقول: إنها هدية كبيرة بلا شك، ويدل على كبرها أن الذين أرسلوا بها جماعة، أما تعيينها بهذا الأمر فهذا لا نجزم به، فإن كان واردًا عن بني إسرائيل فإنه من الأخبار التي لا تُصَدَّق ولا تُكَذَّب.
(فأسرع الهدهد إلى سليمان يخبره الخبر)؛ لأن سليمان قال له: أَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ، أو لا؟ والظاهر أن الهدهد بقي حتى استقر أمرهم على شيء وقد استقر على إرسال الهدية.
يقول: (فأسرع الهدهد إلى سليمان يخبره الخبر فأمر -أي سليمان- أن تضرب لبنات الذهب والفضة، وأن تبسط من موضعه إلى تسعة فراسخ ميدانًا، وأن يبنوا حوله حائطًا مشرفًا من الذهب والفضة، وأن يؤتى بأحسن دواب البر والبحر مع أولاد الجن عن يمين الميدان وشماله).
طلبة: هذا أشد من الأول.
الشيخ: إي نعم، كل هذه ما عليها دليل، كل هذه الأشياء التي ذكر المؤلف ما عليها دليل؛ فهي من الغرائب يعني أن تطوف على المؤلف ويأتي بها.
طالب: صعب.
الشيخ: مع أنه مختصر، مع العلم بأنه ما في الآية دليل لهذه المسألة أبدًا أنهم يجعلون الذهب والفضة تبسط من مكانه إلى تسعة فراسخ، كم سَعَة تسعة فراسخ بالميل؟ ثلاثة في تسعة؟
طلبة: سبعة وعشرون.
الشيخ: سبعة وعشرون ميلًا.
طالب: والميل: كيلو ونصف.
الشيخ: والميل: كيلو ونصف.

***

(فَلَمَّا جَاءَالرسول بالهدية ومعه أتباعه سُلَيْمَانَ) بالنصب، وجاء بمعنى أتى.
فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ.
المؤلف قال: (ومعه أتباعه)، والمرأة تقول: بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ، وسليمان يقول: أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ(أتمدون) جمع فهو يخاطب جمعًا، والآتي واحد، والمرأة تقول: ترسل جماعة، فكيف نجمع بين هذه الأشياء؟ كلام المرأة يدل على أنها أرسلت جماعة.
وقوله تعالى: فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَيدل على أن الجائي واحد، وقول سليمان: أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍيدل على أن المخاطب جماعة، والجمع بين هذا بسيط جدًّا، يكون هؤلاء الجماعة لهم رأي، والذي خاطب سليمان وقدّم هديةً هو الرئيس ومعه جماعته، فصار الذي تقدم إلى سليمان بالهدية واحدًا مع جماعته، ولهذا يقول المؤلف: (ومعه أتباعه).
طالب: يا شيخ، لو جاء المرسل إليه؟
الشيخ: لا؛ لأن ما ذكر الفاعل.
الطالب: ما ذكر الفاعل دليل.
الشيخ: إذا لم يذكر الفاعل فهو مستتر، ومعلوم أن (جاء) مفرد، لو كان المراد الجماعة لقال: فلما جاؤوا سليمان.
طالب: ذكر الفاعل بما قبله.
الشيخ: ما يصح هذه، (جاء) للمفرد الواحد، (جاء) للواحد ما فيها إشكال.
طالب: لو الرسول؛ مثل ما يقول: لو جاء خالد جاء الرسول يجوز (...)؟
الشيخ: لا، هو الأصل أنه واحد.
قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍالياء هنا حُذفت لأيِّ شيء؟ حذفت للتخفيف، كما حذفت أيضًا للتخفيف في قوله تعالى فيما سبق: حَتَّى تَشْهَدُونِ.
والاستفهام في قوله: أَتُمِدُّونَنِللإنكار والتعجيب، يعني كيف تمدونني بمال وأنا عندي من المال ما ليس عندكم.
ولهذا قال: (فَمَا آتَانِيَ اللَّهُمن النبوة والملك خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْمن الدنيا)، وكذلك من المال؛ لأن عند سليمان من المال ما ليس عند هذه المرأة؛ لأن الله سبحانه وتعالى أعطاه ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده.
فالاستفهام في قوله: أَتُمِدُّونَنِللتوبيخ والتعجيب، يعني: كيف تمدونني بمال! -وهو هذه الهدايا-
فَمَا آتَانِيَ اللَّهُمن المال والملك والنبوة وغير ذلك مِن كل ما آتاه اللهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ.
بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَيعني أنني لا أفرح بالهدية، ولا تهمني الهدية، ولكنكم أنتم الذين تفرحون بها وتفخرون بها.
هل المعنى تفرحون إذا أهدي إليكم أو تفرحون إذا أهديتم، وترون لكم فضلًا على المهدى إليه؟
طالب: كل محتمل.
الشيخ: نعم، كل محتمل، لكن الظاهر -والله أعلم- أنه يريد الأول؛ بمعنى أنه أنتم الذين تفرحون بالهدية، وتقع منكم موقعًا، تكثر عزيمتكم، وتوجب أن تعدلوا عما أنتم عليه، أما أنا فلا تهمني الهدية.
طالب: ما قال: بهديَّتنا، بل: بِهَدِيَّتِكُمْ.
الشيخ: أي: إذا جاء إليكم؛ لأن (هدية) مصدر يجوز أن يضاف إلى الفاعل، ويجوز أن يضاف إلى المفعول بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ، والاحتمال الثاني: أن يكون بإهدائكم إلينا.
تَفْرَحُونَتفخرون؛ يعني أنكم تفخرون بها، ولكن المعنى الأول أليق بالسياق.
(ارْجِعْ إِلَيْهِمْبما أتيت من الهدية) الخطاب الآن للرسول، وهذا من تعبير الأساليب بفائدة؛ لأن الذين حملوا الهدية هم الجماعة جميعًا فناسب أن يخاطبهم جميعًا بأنهم حملوا هذه الهدية، وهنا لما أراد أن يحملهم الإبلاغ، فإن تحميل الإبلاغ للجماعة تضيع فيه المسؤولية، حمَّل الإبلاغ من؟ رئيسهم فقط؛ لأنك إذا وصيت جماعة مثلًا لشخص من الناس ضاعت المسؤولية، وصار كل واحد منهم يتكئ على الآخر، فلا يحصل الإبلاغ، لكن إذا حملتها واحدًا حينئذٍ يتحمل ويؤدي، ولهذا حمَّل الرئيس فقال: ارْجِعْ إِلَيْهِمْ؛ يعني إلى جماعتك الذين أرسلوك بما أتيت من الهدية.
(فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَلا طاقة لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَامن بلدهم سبأ سميت باسم أبي قبيلتهم أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَأي: إن لم يأتوني مسلمين).
هكذا القوة؛ لأنه لا يريد المال، ولا يريد الدنيا وإلا لخضع وقنع لهذه الهدية الكبيرة التي أُرسل بها جماعة، لكنه لا يريد ذلك فخاطبهم بهذه العبارات القوية فَلَنَأْتِيَنَّهُمْواللام؟
طالب: للقسم.
الشيخ: موطِّئة للقسم، والنون نَأْتِيَنَّهُمْالنون للتوكيد، فعلى هذا فالجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات؛ القسم، واللام، والنون، ثم فيها من التعظيم.
فَلَنَأْتِيَنَّهُمْولم يقل (فلآتينهم)؛ لأن هذا أبلغ في الهيبة سواء أراد تعظيم نفسه أو أراد بذلك آتيهم بجنود.
وقوله: لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَافيه استصغار هؤلاء الجماعة الذين أرسلوا بهذه الهدية، فهُم استصغرهم في الناحية المالية في قوله: مَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ.
ومن الناحية العسكرية في قوله: لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَالا طاقة لهم بها؛ لأن عنده من الجنود الجن والإنس بل والطير أيضًا، ما لهم طاقة بهذا الشيء، أيضًا: وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةًنحتل بلادهم ونخرجهم منها أذلة.
وَهُمْ صَاغِرُونالفرق بين الأذلة والصغار؛ الذل: في النفس، والصغار: في البدن، يعني يكون مستسلمًا ظاهرًا وباطنًا، مستسلمًا ظاهرًا بالصغار، ومستسلمًا باطنًا بالذل.
قال الله تعالى: وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ [الشورى: ٤٥]، الخشوع بمعنى الصغار، والذل هو ذل النفس، والعياذ بالله.
وهذا دليل على أن سليمان عليه الصلاة والسلام عنده من قوة العزيمة وقوة السلطان ما استطاع أن يعبر بهذا التعبير لهؤلاء الذين أهدوا له هذه الهدية.
فإذا قال قائل: كيف يليق بسليمان عليه الصلاة والسلام أن يقابل جماعة أهدوا له هدية بهذا الأسلوب العنيف؟
الجواب: ظاهر في هذا، لأنه؟
طالب: (...).
الشيخ: أيهم؟
الطالب: (...).
الشيخ: نعم، ما يخالف، ما قبل الهدية، لكن لماذا لم يجب بأسلوب لطيف ليس بعنيف؟
طالب: إذا قاتلوه فهو لا يريد قتالًا، إنما يريد دخولهم في الإسلام فقط، إذا أجابهم بعنف خافوا ودخلوا دين الله تبارك وتعالى.
الشيخ: إي نعم، نقول: الجواب على هذا أنه عليه الصلاة والسلام أراد أن يظهر لهم قوته، وأنه لا يهتم بشأنهم، ثم إن اختبارهم له مع أنه قال: أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَاختبارهم له يدل على شك في دعوته، هو دعاهم إلى الإسلام، وهم شكوا في ذلك بإرسال الهدية، وظنوا أنه يريد دنيا، فيكونون هم الذين بدؤوا بالإساءة إليه حيث أرسلوا له هدية يختبرونه بها فكان رده هذا مناسبًا.
(فلما رجع إليها الرسول بالهدية جعلت سريرها داخل سبعة أبواب داخل قصرها وقصرها داخل سبعة قصور)؟
طالب: لم يرد دليل.
الشيخ: إي، عظيم. (وأغلقت الأبواب وجعلت عليها حرسًا، وتجهزت للمسير إلى سليمان لتنظر ما يأمرها به، فارتحلت في اثني عشر ألف فيل مع كل فيل ألوف كثيرة إلى أن قربت منه على فرسخ شعر بها قال: قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا).
غريب ما أدري منين يجيب المؤلف (...) هذه؟!
طالب: عندنا يا شيخ: (اثني عشر ألف قيل، مع كل قيل).
الشيخ: لا، اثني عشر ألف فيل.
الطالب: يعني: قيل (...).
الشيخ: حتى عندنا أنا عندي قيل، لكن ما هو بصحيح، (اثني عشر ألف فيل) الأفيال يمكن كثيرة في اليمن، ولهذا صاحب الفيل اللي أراد يهدم الكعبة جاء بفيل.
يقول: (مع كل فيل ألوف كثيرة) من الناس اثنا عشر ألفًا، ومع كل فيل ألوف كثيرة يعني عالم.
(إلى أن قربت منه على فرسخ شعر بها قال: قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا) إلى آخره.
الاقتصار على القصص التي في القرآن هو اللائق بالمصحف إلا ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك لأن الله يقول: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ [إبراهيم: ٩]، فعلم هذه الأمم إلى الله سبحانه وتعالى، فاللائق بنا ألا نتجاوز ما جاء به القرآن.